شبكة (( فكر )) العامة

شبكة ثقافية فكرية تعنى بالفكر العربي والاسلامي


    التقنية كميتافيزيقا "الفيلسوف هايدجر نمودجا"

    شاطر

    عادل بودن

    المساهمات : 2
    تاريخ التسجيل : 02/03/2009

    التقنية كميتافيزيقا "الفيلسوف هايدجر نمودجا"

    مُساهمة  عادل بودن في الخميس مارس 05, 2009 7:35 pm

    1-تمهيد:
    تكتسي نصوص هايدجر الفلسفية يوما بعد يوم المزيد من الاهتمام لجدتهاوعمقها,سواء في تناول القضايا الفلسفية التقليدية كالحقيقة والماهية...أو قضايا الحاضر كالحداثة,العلم والتقنية...الخ. كماأن رؤيته الفلسفية ترتكز على محاولة لتفسير غائي-أو قدري اذا شاء التعبير-لكل التاريخ الفكري للغرب,يجمع محطاته المتنوعة ومكوناته المتناثرة في اتجاه تحقيق التقنية واستكمال السيطرة على الانسان والطبيعة.
    لقد افترض هايدجر أن لكل عصر ميتافيزقاه وميتا فيزيقا العصور الحديثة-الحداثة حسب التعريف الفلسفي السائد - هي التقنية,بما هي موقف من الكائن الانساني والأشياء المحيطة به, أو شكل من أشكال تأويل الحقيقة ونمط من أنماط الوجود. فتكاد الحداثة تتجوهر حول التقنية بما هي ماهيتها وجوهرها.
    اننا لا نبالغ اذا اعتبرنا أن مفهوم التقنية عند هايدجر يكثف مجمل تصورات هايدجر الفلسفية لاسيما قراءته لسمات العصر الحديث وماهيته.
    فماهي الدلالة المتميزة للتقنيةعند هذا الفيلسوف الأصيل?وما هي أبعادها المعرفية والفلسفية وخصوصا على علم الطبيعة الحديث?.
    2-مفهوم التقنية:
    يجعل هايدجر من التقنية موضوع تساؤل لتمييزه الفرق التقنية وماهية التقنية;فكوننا مأخودين بالنظر للتقنية كما هي ملاحظة أمامنا لا تجعل لنا حاجة لكشف ماهيتها خارج هذه الملاحظة نفسها التي تظل صائبة لربطها التقنية الحديثة بمفهومي الوسيلة والغاية.لذا وجب البحث عن طريقة للتفكير في التقنية تجعلنا نقيم علاقة حرة معها بحيث ندرك ماهيتها.
    فعندما يتم الحديث اليوم عن التقنية-حسب هايدجر-فانه يفهم من ذالك تقنية الآلات في العصر الصناعي, لكن هذا المعنى غير دقيق حيث أن العصر الصناعي عرف ثورتين تقنيتين,الأولى تتحدد في الانتقال من التقنية الحرفية الى تقنية الآلات دات المحرك,والتانية تتجلى في الانطلاق والسيادة القصوى للآلية-auto مماmation- التي ترتكز على تقنية التنظيم والتوجيه-السبيرنتيقا-.
    اذن فما يعنيه مصطلح تقنية ليس واضحا للوهلة الأولى ولا تخرج التعاريف عن خمس أطروحات سائدة حسب فيلسوفنا وهي:
    1-التقنية الحديثة وسيلة تم اختراعها وانتاجها من طرف الانسان,أي هي أداة لتحقيق الغاية الصناعية بالمعنى الواسع وكما رسمها الانسان.
    2-هي أداة موضوع بحث,هي التطبيق العملي لعلم الطبيعة الحديث.
    3-ان التقنية الصناعية المؤسسة على العلم الحديث هي ميدان خاص داخل الحضارة الحديثة.
    4-هي الاستمرارية المتقدمة والمتقنة بالتدريج للتقنية الحرفية القديمة حسب الامكانات التي توفرها الحضارة الحديثة.
    5-التقنية الحديثة كأداة انسانية,خاضعة لمراقبة الانسان والذي يضمن التحكم فيها كموضوع من اختراعه الخاص.
    رغم أن هايدجر لا يعترض على دقة هذه الاطروحات الا أنه يتساءل عن كفاية هذه الدقة لبلوغ ما هو خاص في التقنية الحديثة,بحيث يمكننا من معرفة مدى تماسك ما تم ذكره في الاطروحات. فلمعرفة ما هو خاص في التقنية يفترض هايدجر أن هناك لحظتان,فالتقنية الحديثة ككل تقنية هي موضوع انساني تم اكتشافه وتطبيقه وتطويره و توجيهه بدقة من طرف الانسان لأجل الانسان-التصور الانثروبولوجي-فالتقنية بهذا المعنى هي جزء من الحضارة.وهنا يتساءل هايدجر اذا كان من الممكن الاستنتاج أن الثقافة التقنية هي جزء من الحضارة وتبعا لها التقنية تمهد لثقافة انسانية أم أنها تهددهذه الاخيرة بالانهيار?!
    فوصولنا الى التصور الانثروبولوجي يقودنا-حسب هايدجر-الى اللحظة الثانية حيث يعياين الفعل اللاتيني-INSTRUERE-والذي يعني نضد بكيفية جيدة ومتجاورة,يعني شيد,نظم وأرسى بكيفية متماسكة.فان-L'INSTUMENTUM-وهي للجهاز أو الأداة,أداة العمل,وسيلة النقل أو الوسيلة بصفة عامة.
    اذن ضمن هذا التصور الأنثروبولوجي الأداتي للتقنية يمكننا أن نثبت بسهولة بأنه لا يوجد في العمق أي اختلاف جوهري بين الفأس الحجري وآخر انتاجات التقنية الحديثة-القمر الاصطناعي مثلا-فكلاهما أداتان صنعتا من أجل غاية محددة,فرغم بساطة الأول وتعقيدات الثاني فكلاهما يعبران عن الخاصية الأداتية للتقنية وان اختلفا في الدرجة.
    يقترح هايدجر البحث عن طريقة للتفكير في التقنية تجعلنا نقيم علاقة حرة معها بحيث ندرك ماهيتها,ولذا وجب التحرر من التصور الانثروبولوجي-الأداتي- السائد للتقنية.
    ان كلمة تقنية مشتقة من الكلمة الاغريقية تكنكون-TECKNIKON-وتعني هذه الأخيرة ما يعود الى التيخني,فمنذ فجر اللغة الاغريقة والتخني تعني مهر في الشيء وبالتحديد في عملية انتاج شيئ ما.يستدرك هايدجر لكي يوضح أن العودة الى الاغريق هدفها ادراك المفهوم في سياق تبلوره لكي يتم الفهم بشكل مناسب للتقنية الحديثة دون أن نسقط عليها تمثلات بعديةأو راهنة. ان للتخني نفس دلالة ابستمي, فمهر في الشيئ هو نوع من المعرفة,من التعرف.ان أساس عرف يقوم في التجربة الاغريقية في الفتح,وفي كشف ما هو معطى كحاضر. ان التخني ليس مفهوما يتعلق بالفعل,بل انه مفهوم يتعلق بالمعرفة.ان كلمتي تخني وتقنية تدلان على أن شيئاما يوجد في حالة انكشاف وقابلية للاستعمال,فبالقدر-يقول هايدجر-ما يسود في التقنيةمبدأ المعرفة فان هذه الاخيرة تدعم انطلاقامن داتها امكانية والزامية صياغة متفردة لمعرفتها الخاصة وذالك في اللحظة داتها التي يعطي فيها علم يوافقها ويطورها. وهنا يعتبر هايدجر أن حدثا أساسيا لم يحصل الا مرة واحدة خلال تاريخ الانسانية كله قد وقع, وهو بداية هذا العصر-يقصد هايدجر داخل التاريخ الغربي الاوروبي-الذي يسمى بالأزمنة الحديثة,ويتمثل في:1-وظيفة علم الطبيعة وخاصيته المتفردة داخل التقنية الحديثة.2-الهيمنة اللامحدودة للتقنية الحديثة التي لا يمكن مقاومتها.
    نعلم كما سبق أن التقنية الحديثة بالنسبة للتصور الانثروبولوجي الأداتي هي التطبيق العملي لعلم الطبيعة,لكن يؤكد هايدجر أنه حتى بالنسبة للفزيائيين والتكنولوجيين أصبح هذا التعريف للتقنية الحديثة كعلم طبيعة مطبق غير كاف,فيتم اليوم الحديث عن العلاقة بين علم الطبيعة والتقنية ك"اسناد متبادل". لقد أثبت HEISENBERG في الفزياءالنووية أن الجهاز التقني المستعمل من طرف الملاحظ في عملية من عمليات التجريب يحدد بشكل متبادل ما يمكن في كل مرةالاحاطة به في الذرةوما ليس كذالك-أي تجلياتها-أي أن التقنية هي هي المحدد المتبادل في فعل المعرفة.وهذا يدل,كما استنتج هايدجر من قبل أن للتقنية طابع خاص يشتمل على سمة من سمات المعرفة.هذه التبادلية بين الاثنين تجعل من المشروع طرح الاسئلة التالية:1-ما هي النقطة التي يتظافر فيها علم الطبيعة والتقنيةالحديثة لدرجة التطابق?2-ما هي السمة الخاصة لكل منهما?
    وللاجابة لا بد من طرح سؤال آخر هو:كيف أجبرت الطبيعة على الخضوع لتصميم مسبق من حبث هي مجال للموضوعية حتى تغدو السيرورات الطبيعية قابلة للحساب بشكل قبلي?.يتضمن هذا السؤال بعدين,أولهما هو الحكم حول طبيعة الواقع الطبيعي,والذي عبر عنه ماكس بلانك مؤسس الفزياء الكوانتية ب"الواقعي هو ما يمكن قياسه"فوحده ما هو قابل للحساب بشكل مسبق هو ما يعتبره موجودا.وثانيهما هو ارتكاز علم الطبيعة على مبدأ أسبقية المنهج على ما يتم تأسيسه بيقين كموضوع محدد لاجراء محدد في مواجهة الطبيعة. وبمعنى آخر فان غياب تناقض القضايا وتماثل المقابلات الاساسية في الفزياء النظرية وعبر المسائلة التجريبية للطبيعة التي توافق هذا المشروع,تم تحريض الطبيعة على اعطاء أجوبة تبعا لعلاقات محددة.لقد أصبحت -اذا جاز القول-الطبيعة مجبرة على الكلام.لقد أجبرت على أن تظهر في موضوعية قابلة للحساب حسب التعبير التعبير الكانطي .وهنا يؤكد هايدجر أن هذا الاجبار المحرض للطبيعة هو ما يشكل بالضبط أساس التقنية الحديثة,يجبر الطبيعة على أن تسلم الطاقة عبر انتاج ومراكمة هذه الاخيرة وجعلها تحت تصرفنا.
    ان هذا الاجبار الذي يهيمن على التقنية الحديثة ينكشف في صور وأشكال متنوعة ومترابطة في ما بينها;استخراج الطاقةالكامنة في الطبيعة,فتحويلها,فمراكمتها فتخزينها ثم توزيعها.لقد تمت مراقبة هذه الكيفيات التي ضبطت بواسطتها الطبيعة,هذه المراقبة نفسها يجب أن تكون مضمونة.
    يستنتج هايدجر بأن علم الطبيعة الحديث مع اكراهه النظري للطبيعة من منظور موضوعية قابلية للحساب,لا يمكن أن يكون سوى شكل من أشكال التقنية الحديثة.
    وجب اذن قلب التصور السائد للعلاقة بين علم الطبيعة والتقنية,فلن يعود علم الطبيعة هو قاعدة التقنية بل العكس,ستغدو التقنية هي البنية الحديثة التي يرتكز عليها علم الطبيعة الحديث. رغم أن هايدجر يقر بأن هذا القلب يقترب من الحقيقة الا انه يعتبر أن جوهر هذه الأخيرة لم نصل اليه بعد,ذالك أن الطابع الخاص لكل من التقنية وعلم الطبيعة الحديث و كذالك جدرهما المشترك,يكمن في ما سماه هايدجر بالاستفسار التحريضي والهيمنة اللامحدودة للتقنية.فلطالما أطلق النداء من أجل التحكم في سير التقنية والدفع بها دائما بقوة اتجاه امكانات جديدة للتطور خاضعة للمراقبة.هذا النداء يكشف الخوف من هذه السيطرة للتقنية الى درجة بدأ معها هذا النداء نفسه يخفت شيئا فشيئا معبرا عن حالة الارتباك والعجز والخضوع التي أصبح الانسان يعانيها أمام الهيمنة اللامحدودة والقاهرة للتقنية.
    ان اثبات هذه الضرورة للتقنية-بالنسة لهايدجر-يعني الاعتراف بقوة خفية تتموقع فوق ارادة الانسان ومشاريعه وأفعاله.ان ما هو جوهري في التقنية ليس صناعة انسانية خالصة,ان الانسان الراهن هو داته محرض بواسطة الالزام الذي يحث الطبيعة على الاستجابة.
    لقد تم حسب هايدجر اجبار الانسان داته,لقد تم اخضاعه لضرورة التوافق مع الالزام.فما دعاه هايدجر بالقوة الخفية يتبين الآن في هذا الاكراه أو الالزام للانسان لتحريض الطبيعة من أجل تسليم طاقاتها.
    ان التقنية ليست وسيلة فحسب بل هي اذن نمط من الانكشاف,انها تكشف هذا الذي لا ينتج داته وليس بعد أمامنا وهو ما يمكن أن يأخد هذا المظهر,وهذه الهيئة ومرة أخرى شكل آخر.وهكذا فالنقطة الحاسمة في التقنية لا تكمن نهائيا في الفعل والاستعمال,ولا في استخدام الوسائل أيضا,بل تكمن في الانكشاف الذي نتحدث عنه.فالتقنية هي انتاج بمعنى انكشاف لا انتاج بمعى الصنع.الانكشاف في التقنية الحديثة هو بمعنى تحريض.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 22, 2018 6:13 pm